شوقي ضيف

225

المدارس النحوية

ورأى أن يضم إلى ذلك زادا من القراءات والحديث النبوي والفقه والشعر والأخبار ، ووجد عند أستاذه سلمة عتادا من قراءات القرّاء ، وصله بما ثقفه من حلقات القراء الآخرين وما قرأه عند الفراء ، مما أتاح له أن يصنف في القراءات كتابا ، وأن يكون صاحب قراءة يحملها عنه بعض تلاميذه وفي مقدمتهم أبو بكر بن مجاهد . واختلف إلى حلقات المحدّثين ، وخاصة عبيد اللّه بن عمر القواريري ، وفي بعض الروايات عنه أنه سمع منه مائة ألف حديث . وطبيعي أن يختلف إلى حلقات أحمد بن حنبل أكبر المحدثين والفقهاء في عصره ، ويظهر أنه حمل عنه مذهبه الفقهي ، إذ نجد أصحاب كتب التراجم للحنابلة تسلكه بينهم . وثقف كثيرا عن رواة الأخبار والأشعار ، وفي مقدمتهم عمر بن شبة ومحمد بن سلام الجمحي صاحب كتاب طبقات فحول الشعراء ، والزبير بن بكار الرواية الإخبارى . وبجانب هذه المادة الغزيرة التي رواها شفاها نجده يعكف على قراءة كتاب سيبويه وكتب الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة . وتتردد قراءته للكتاب في ترجمته ويقال إنه لم يقرأه على العلماء وإنما قرأه بنفسه ، وفي أخباره أنه طلب من أبى حاتم السجستاني أن ينسخ له كتاب المسائل للأخفش فلبّى طلبه . وفي محاورة بينه وبين الرياشي لسنة 230 للهجرة ما يدل دلالة واضحة أنه كان قد حذق النحو الكوفي والبصري جميعا . ويقول ياقوت إنه كان متبحرا في مذهب البصريين غير أنه لم يكن مستخرجا للقياس ولا طالبا له . وقد بدأ تصنيف الكتب وسنّه لا تتجاوز الثالثة والعشرين ، وسرعان ما أخذ يلقى محاضراته على الطلاب ، وهو في الخامسة والعشرين ، وظل أكثر من ستين عاما يملى عليهم ، وهم يقصدونه من كل صوب ، لما أتقنه من المعرفة بالغريب ورواية الشعر ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين ، بل لقد أصبح إمام هذا النحو وعلمه المفرد في عصره . وكان طوال حياته في بحبوحة من العيش ، إذ أخذ يرعاه بعض ذوى الجاه والثراء - كما حدث عن نفسه - منذ سنة 223 للهجرة ، وممن تولاه برعايته محمد ابن عبد اللّه بن طاهر صاحب شرطة بغداد وقد اتخذه مؤدبا لابنه طاهر ، وظل